بقلم حسن النجارحسن النجار يكتب

حسن النجار يكتب: إصلاح التعليم بين معركة الهوية ومقاومة التغيير

الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار عضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

حسن النجار – يكتب 

لا يمكن لأي منظومة تعليمية أن تحقق نهضة حقيقية بالشعارات المؤقتة أو القرارات المرتجلة، وإنما تنهض حين تمتلك رؤية واضحة، وخطة محددة الأهداف،

وإرادة جادة لتنفيذها على أرض الواقع. ومن يتابع المشهد التعليمي في مصر خلال الفترة الأخيرة يدرك أن وزارة التربية والتعليم تسير وفق استراتيجية تستهدف إعادة بناء المدرسة المصرية واستعادة دورها في صناعة الوعي والمعرفة، وهي مهمة ليست سهلة في ظل تراكمات استمرت لسنوات طويلة.

وقد بدأت ملامح هذه الرؤية تظهر تدريجيًا من خلال استعادة الانضباط داخل المدارس، وعودة أعداد كبيرة من الطلاب إلى الفصول الدراسية بعد سنوات من التراجع في الالتزام بالحضور.

ومن الطبيعي أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الإجراءات بشيء من التحفظ في بدايتها، فكل تغيير حقيقي يواجه مقاومة أولية قبل أن تتضح نتائجه. لكن التجارب تؤكد أن المجتمعات لا تدرك قيمة الانضباط إلا عندما تجني ثماره في تحسين جودة التعليم وبناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

وليس الهدف من هذا الطرح الإشادة بشخص أو مسؤول بعينه، وإنما تقديم رؤية موضوعية تنطلق من الإيمان بأن إصلاح التعليم قضية وطنية تتجاوز الأشخاص والمناصب.

فمن حق المجتمع أن يناقش ويختلف، لكن ليس من الإنصاف أن يتحول النقد إلى حالة دائمة من الرفض، أو أن يصبح الخلاف مع مسؤول سببًا في رفض كل ما يطرحه من أفكار أو سياسات.

لقد عارضت في مناسبات عديدة سياسات بعض وزراء التربية والتعليم السابقين، وكتبت وانتقدت حين وجدت ما يستوجب المراجعة أو التصحيح. غير أن الإنصاف يفرض علينا أن نعترف اليوم بأن بعض التوجهات التي يتبناها الوزير الحالي محمد عبد اللطيف تستحق الدعم والمساندة،

خاصة فيما يتعلق باستعادة مكانة المدرسة، وتعزيز الانتماء الوطني، ومواجهة أوجه الخلل التي ترسخت داخل المنظومة التعليمية عبر سنوات طويلة.

لقد كان الوزير الأسبق الدكتور طارق شوقي صاحب رؤية طموحة ومشروع تحديث مهم للتعليم المصري، ولم يكن ينقصه الإخلاص أو الرغبة في الإصلاح. إلا أن طبيعة خلفيته الأكاديمية جعلته أقرب إلى المفكر والباحث الذي ينظر إلى الصورة من منظور نظري، بينما تحتاج منظومة التعليم أحيانًا إلى مسؤول يلامس تفاصيل الواقع اليومي داخل المدارس ويعيش تحدياته بصورة مباشرة.

ومن هنا تبدو الفروق واضحة بين الرؤية النظرية ومتطلبات التطبيق العملي. فالوزير الحالي جاء من قلب الميدان التعليمي، ويبدو أكثر التصاقًا بمشكلاته اليومية، وهو ما ساعده على تحديد مواطن الخلل والتعامل معها بصورة أكثر واقعية، رغم ما يحيط بذلك من تحديات وصعوبات.

ومن اللافت أن بعض حملات الانتقاد تتصاعد لمجرد الحديث عن إعادة الاعتبار للغة العربية أو تعزيز مكانتها داخل العملية التعليمية. والحقيقة أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل،

بل هي وعاء الهوية الوطنية والثقافية، والجسر الذي يربط الأجيال بتاريخها وتراثها وحضارتها. ومن ثم فإن الاهتمام بها ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية للحفاظ على الشخصية المصرية والعربية.

كما أن الجدل الدائر حول تعزيز المعرفة الدينية الأساسية داخل المدارس يثير العديد من علامات الاستفهام. فنحن لا نتحدث عن تعقيدات فقهية أو قضايا خلافية، وإنما عن الحد الأدنى من المعارف الدينية الصحيحة التي يحتاجها الطالب لفهم دينه وممارسة شعائره على بصيرة،

فضلًا عن بناء مناعة فكرية تحصنه من الأفكار المتطرفة أو المنحرفة التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الرقمي.

ومن الغريب أن يبرر البعض رفض تطوير مستوى اللغة العربية بحجة أن بعض الطلاب لا يجيدون كتابة أسمائهم بصورة صحيحة. فهل يصبح الاعتراف بالمشكلة مبررًا للاستسلام لها؟

أم أنه ينبغي أن يكون دافعًا لمعالجتها؟ إن المنطق يقول إن الجهل لا يُعالج بتكريسه، وإن التقصير لا يُواجه بخفض المعايير، وإنما ببذل مزيد من الجهد لتصحيح المسار.

وحين نجد طلابًا في مراحل تعليمية متقدمة يفتقدون أبسط مهارات القراءة والكتابة أو يجهلون أساسيات المعرفة الدينية، فإننا لا نكون أمام مشكلة تعليمية فقط، بل أمام تحدٍ ثقافي وقيمي يستوجب تضافر جهود الدولة والأسرة والمؤسسات المختلفة لمعالجته.

إن قضية الهوية لم تعد شأنًا ثقافيًا هامشيًا، بل أصبحت إحدى قضايا الأمن القومي. فالأمم لا تُهزم بالسلاح وحده، وإنما قد تُهزم عندما تفقد لغتها، وتضعف صلتها بتاريخها،

ويتراجع وعي أجيالها بقيمها وثوابتها. والهوية القوية تمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع في مواجهة محاولات الذوبان أو التبعية أو فقدان الخصوصية الحضارية.

حسن النجار يكتب: إصلاح التعليم بين معركة الهوية ومقاومة التغيير
حسن النجار يكتب: إصلاح التعليم بين معركة الهوية ومقاومة التغيير

ومن حقنا أن نتساءل: لماذا تراجعت المكانة الثقافية والعلمية التي كانت تتمتع بها مصر لعقود طويلة؟ ولماذا انحسر تأثيرها الفكري والإبداعي في محيطها العربي؟ لا شك أن التعليم يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في هذا الواقع. وإذا كان التعليم جزءًا من المشكلة، فإنه يجب أن يكون أيضًا جزءًا من الحل.

إن الواجب الوطني يقتضي دعم كل مسار إصلاحي جاد يعيد للتعليم هيبته، وللمعلم مكانته، وللمدرسة دورها التربوي والتعليمي. لكن نجاح أي مشروع إصلاحي لن يكتمل دون مواجهة حقيقية للفساد الإداري والبيروقراطية التي ما زالت تعرقل التطوير داخل بعض المديريات والإدارات التعليمية.

فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تطوير المناهج أو تحديث اللوائح، بل يشمل أيضًا بناء بيئة إدارية كفؤة ونزيهة قادرة على تنفيذ خطط التطوير وتحقيق أهدافها.

وعندما تتكامل الرؤية مع الإدارة الجيدة والإرادة الصادقة، يصبح التعليم قادرًا على أداء رسالته الكبرى في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

الهدف – قلم حسن النجار يناقش جهود إصلاح التعليم في مصر، ودور الانضباط المدرسي، وتعزيز الهوية الوطنية واللغة العربية، وأهمية مواجهة الفساد لتحقيق نهضة تعليمية حقيقية.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى